Make your own free website on Tripod.com

مبدأ القوميات والتعددية المقيدة

مدخل

الدراسة التالية تتعرض بإيجاز لما يسمى بقانون تأسيس الأحزاب في إرتريا , على ضوء مسودة  قانون الأحزاب والتنظيمات السياسية لعام 2001، وبما أن تأسيس الأحزاب هذا يرتكز على مبدأ القوميات وفق أبجديات الجبهة الشعبية ,فقد ركزنا بالنقد على أطروحة ما يسمى بالقوميات في مبحث، بينما تناولنا في مبحث آخر إشكالية تأسيس الأحزاب السياسية في ظل غياب الديمقراطية والشرعية الدستورية…

 

مقدمة

         

 

المبحث الأول : صحوة قومية أم نعرة قبلية

         

 

المبحث الثاني: التعددية المقيدة

         

 

الخاتمة

         

 

مقدمة:

تميزت بداية التسعينات بأنها فترة التحديات والحسم,فعلى المستوى العالمي تفكك نظام القطبية الثنائية بتفكك قواعد الاتحاد السوفيتي, وإقليميا فقد شهدت هذه الفترة انهيار الكتلة الشرقية , أما علي مستوى الدول فقد شهد كل من الاتحاد السوفيتي و  تشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا  صراعا قوميا أدى إلى تفككها وتقسيمها إلى دول قومية

إن الإشارة إلى هذه المستجدات لها مغزاها العميق , إذ أن إرتريا قد تحولت من مرحلة الكفاح المسلح إلى مرحلة الدولة في خضم هذا الصراع القومي المرير الذي اجتاح العالم , وكان من المفترض أن تترك موجة التغيير العارمة هذه آثارها على التحول الذي حدث في إريتريا , إلا أن الأمور سارت على عكس اتجاه رياح التغيير حيث أن نظام الجبهة الشعبية قد احكم من قبضته الحديدية  على مجمل أمور البلاد فكانت معاييره وقواعده هي السائدة بدءا بالاستفتاء مرورا بفرض الدستور وانتهاء بما يسمى بقانون الأحزاب  .

 

المبحث الأول : صحوة قومية أم نعرة قبلية

 

دأب نظام الجبهة الشعبية وزبانيته " التقرينية " على الترويج لفكرة وجود قوميات متعددة في إريتريا مما يدفعنا لأن نتساءل لماذا يصر النظام بمثل هذا التلهف لاستخدام مفهوم القومية ويتجاهل دور القبيلة كواقع , ولماذا يبدي اهتماما بالغا بوجود هذه "القوميات " وإصدار قوانين لكي تستخدم " لغاتها " في التعليم , والمعروف أصلا أن الأنظمة السياسية تقلل من شأن مطالب القوميات  في أمور كاللغة والعقيدة وغيرهما من مميزات تلك القوميات . وإذا طرأت الأمور إلى الدرجة التي يتخذ فيها قرار بشأن تحديد مصير قومية ما ,فإن هذا الدور التاريخي تتحكم فيه ظروفه الخاصة وليس أهواء الحكام  بل أن الشعب بأكمله يشارك في اتخاذ مثل تلك القرارات التاريخية ويكون للقومية المعنية بالأمر الكلمة الأخيرة في ذلك . يصدق هذا على تأسيس الدولة التشيكوسلوفاكية عام1918 حينما أفصح المجلس القومي السلوفاكى عن رغبته في اتحاد السلوفاك الذين كانوا يمثلون 32% فقط مع التشيك الذين يمثلون 67.7 % لتكوين ما كان يعرف ب تشيكوسلوفاكيا  , ويصدق هذا أيضا على انفصال السلوفاك برغبتهم الذاتية في الانفصال في السنوات القليلة الماضية  .

أن مبدأ القوميات يترتب علي تطبيقه نتائج سياسية وقانونية في غاية الأهمية والتعقيد , وهذا المفهوم بأبعاده وتعقيداته هو الذي فرض نفسه على الواقع السياسي وليس العكس كما يحدث في إريتريا . ومفهوم القومية بأبعاده السياسية نشأ وترعرع مع ظروف وتطور الواقع  الأوروبي بعكس ما هو عليه الحال في القارة الأفريقية التي رسمت حدود دولها وتكونت تداخلات سكانها بفعل السياسات الاستعمارية الغربية  .

ومبدأ القوميات- حتى في أوروبا نفسها- لم يطبق بشكل معمم ومطلق , فقد هوجم بشدة طيلة النصف الأول من القرن التاسع عشر  وعاد إلى الحياة عقب ثورة 1848م ليجد محركا له في نابليون الثالث الذي كان يشجع قيام الوحدة الرومانية , وقيام الوحدة الإيطالية , والذي أفسح المجال للوحدة الألمانية كي تتكون .

ومبدأ القوميات رغم أنه وجد تطبيقا واسعا في معاهدات سنة 1919 كإعادة تكوين بولونيا , وتجزئة النمسا  وإعادة النظر في خريطة أوروبا الشرقية فقد أدى هذا التطبيق إلى نتائج وخيمة وخطيرة للغاية , فقد تجاهل ذلك التطبيق عوامل جغرافية وسياسية واقتصادية كان من المفترض أن توضع في الاعتبار عند خلق دول قابلة للحياة . وبالرغم من أن معاهدة الصلح قد أكدت بأن للقومية الحق في ممارسة المعتقد الديني بحرية , وحرية استعمال اللغة القومية بها والمساواة في التمتع في الحقوق المدنية والسياسية, إلا أن واقع الحال يؤكد أن هذا النهج قد تهاوى إذ لم تخضع أي دولة له ولهذا لم يتكرر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ..

مما لا شك فيه أن مصطلح " القومية " قد أستخدم استخداما خاطئا في مرحلة الثورة الإريترية حيث أن تأثير الشعارات الأيدلوجية الجوفاء قد ساهم في تبنى مفهوم "القومية " فإذا كانت الحجة القوية بالنسبة لطرح جبهة التحرير الإريترية في ذلك الوقت بأن سياساتها تنطوي على حسن النية  وعلى بناء أرضية مشتركة ومناخ وحدوي بين المجموعات الإريترية لدفع عجلة الثورة نحو الأمام , إلا أن الجبهة الشعبية قد تبنت مفهوم " القومية ليأتي منسجما مع طموحاتها وأهدافها الطائفية وخدمة لمصالحها الإستراتيجية  . ومما لا شك فيه أيضا أن إريتريا كغيرها من المستعمرات الأفريقية الأخرى لم تنمو نموا طبيعيا فالقبيلة قد لعبت دورا أساسيا في تكوينات المجتمع الإريتري  وفى نظمه الإدارية كالنظام الإداري للكنتيباى والدقلل وغيرها  .

وهذه التركيبة السكانية ذات الطابع القبلي وإن اختلفت عاداتها ولهجاتها المحلية , إلا أنها توحدت بفعل العقيدة الإسلامية وتفاعل الثقافة الإسلامية , فملامح هذه الوحدة تبدو في الرباط الديني المقدس الذي يربط هذه القبائل بعضها ببعض ولم تلعب العادة أي دور في وحدة هذه التكوينات القبلية أو تشكل بعدا ثقافيا لها يصل إلى مرتبة الثقافة الإسلامية ويجدر بنا أن نستشهد بظاهرة تدريس القرآن الكريم في الخلاوي  والتي تعتبر ظاهرة مشتركة بين جميع القبائل الإريترية المسلمة .يضاف إلى ذلك أن اللغة العربية تمثل القاسم المشترك بين هذه القبائل  فمن ينجح في كسر هذا القاسم المشترك فإنه بالطبع سوف ينجح في تفتيت تلك الوحدة  .

ونصل بذلك إلى نتيجة مفادها أن مجموع هذه القبائل تشكل في نهاية الأمر تجمعا واحدا يربطه التراث الواحد ألا وهو التراث الإسلامي ولغة واحدة هي اللغة العربية ,ومصير مشترك, وأن مصدر وطنيته ينبع من الذكريات المشتركة  والإحساس بالقرابة الروحية وواقعة التصرف الموحد تجاه نفس الأحداث . ويجدر بنا أن نضيف أن عامل القرابة الروحية هذا , والذي يلعب دوره داخل هذه المجموعات يعطي إحساسا قويا لهذه القبائل بأنهم داخل مجموعة متميزة تختلف عن التكوينات , أو الأشكال الوطنية الأخرى , والمثال على ذلك انتماء كل التكوينات القبلية المسلمة أبان فترة تقرير المصير تحت راية الرابطة الإسلامية الإريترية  من أجل استقلال ووحدة البلاد  .

نخلص من هذا أن هناك مجموعتان فقط لكل منهما خصوصيتها  وذاتيتها  يشكلان مع بعضهما البعض  الأمة الإريترية وهذه الأمة لا ولن تتجسد في الدولة إذا ما حاول أي طرف منه إلغاء دور الطرف الآخر .

إن واقع الحال الذي  فرضته حكومة الجبهة الشعبية يؤكد على التالي :

1 وجود تجمع ذو ثقافة إسلامية "مجموعة القبائل " التي يربطها الدين الإسلامي واللغة العربية  يسعى المسيحيون  إلى تهميش دورها .

2 تجمع ذو ثقافة مسيحية والمتحدثة بالتقرينية  والتي تمسك بزمام الأمور في البلاد .

بناء على ذلك نود أن نؤكد أن سياسات النظام إزاء تشجيع استخدام اللهجات المحلية في التعليم ليس الهدف منه سوى إفساح المجال  أمام سيطرة الثقافة التقرينية وإحداث خلل في التوازن بين الثقافتين ومن ثم لتظل المجموعة الإسلامية أسيرة النعرة القبلية المتخلفة استنادا على مبدأ "فرق تسد ".

خلاصة الأمر إن نظام الجبهة الشعبية يرفض الاعتراف بوجود مجتمع إسلامي  متميز , ولهذا فهو يلجأ إلى حيلة القوميات , وهذا التميز متعدد الأوجه  يمكن أن نوجزه في أن هذا التجمع له شخصانيته الإسلامية التي تميزه عن الثقافة الكنسية  وأن هذا التميز لا ينعكس في سياسة الدولة الخارجية فالحكومة الإريترية لا تدعم علاقتها الثقافية مع الدول العربية . .

ودعما لما ذكرناه أعلاه  وكخلاصة  نقول إن مصالح سكان  المنخفضات  ومناطق المسلمين يتم تجاهلها مقارنة  بنظرائهم في الأقاليم المسيحية , وذلك في مجالات التعليم , المشاركة السياسية , التمثيل البرلماني , الاستعمال اللغوي للدرجة التي يظهر فيها  المسلم كمواطن من الدرجة الثانية . وأخيرا تشكل مناطق المسلمين أهمية اقتصادية وبالتالي يرى المسلمون أنه من المنطقي أن تنعكس هذه الأهمية في الناحية السياسية حيث يستأثر المسيحيون وحدهم بالقوة السياسية في الدولة ..

 

المبحث الثاني: التعددية المقيدة

 

إن الانتخابات التنافسية تعنى أن القانون الدستوري المعمول به في بلد ما يقر ظاهرة المجتمع التعددى  . وهكذا يقال, أن المجتمع السياسي يتصف بالتعددية عندما تقبل فيه جميع مقتضيات حرية الرأي وعندما تترجم إلى أفعال أو وقائع .

للمواطنين الحق بأن تختلف آراؤهم , حول سير الشؤون العامة العادية, وحول القرارات السياسية التي يجب أن تتخذ لقيادة البلاد , بل أيضا حول تنظيم المجتمع وأسسه , واختيار الحكام , ومراقبي الحكام . وتتجلى فعلا هذه الميزة التعددية في المجتمع علي ضوء الدستور بتعدد الآراء لدى المواطنين وبحرية الاجتماع حيث يمكن الجهر بالآراء بصورة علنية , وكلها تتجلى في حرية المشاركة , وفي تعددية الأحزاب السياسية وتعددية المرشحين , وتعددية الكتل البرلمانية الجالسة على مقاعد المجالس التشريعية , كل هذه الحقائق والمسلمات تؤكد على شئ واجد هو أن قانون الأحزاب والتنظيمات السياسية الذي أصدره النظام الديكتاتوري في أسمرا  ما هو إلا بمثابة تجريد الجماهير من حقوقها الطبيعية  , وفرض هيمنته على السلطة من خلال خلق أحزاب صغير ة يحرك خيوطها ويسيرها متى ما شاء وأن صيغة التعددية هذه , ليست سوى أكذوبة كبيرة , وأنها جاءت محكومة بنشأتها من أعلى , وفق إرادة النظام الشمولي في أسمرا ,في إطار فلسفة التنظيم السياسي الوحيد الذي رسم بالفعل حدودها الضيقة  وهو ما جعل هذه التعددية في إطار مقيد بقيود صارمة , وهذا ما دفعني أن أطلق عليها تسمية " التعددية المقيدة " .

وقبل أن ندخل في صلب الموضوع نود أن نؤكد على الحقائق التالية :

 

الحزب الحاكم ليس حزبا بالمعنى الصحيح للحزب إنما  هو التنظيم الفعلي للجبهة الشعبية  والذي يحتكر السلطة لنفسه دون مشاركة القوى السياسية الأخرى التي لعبت دورها في الكفاح المسلح .

أولا:

 

المرجعية الأساسية لتكوين الأحزاب هو الدستور , ولكن الدستور هو الآخر يفتقر إلى الشرعية .

ثانياً:

 

مفوضية الأحزاب بتشكيلها الحكومي تمثل قيودا على حرية التعددية الحزبية , كما أن سيطرة الجبهة الشعبية على آليات إصدار القرار فيها باتت تمتلك سلطات واسعة تتيح لها الحق في إضفاء المشروعية أو حجبها عن الأحزاب

ثالثا:

 

المحكمة العليا بتشكيلها الحالي هي جزء لا يتجزأ من النظام السياسي , وليس هنالك أي فصل للسلطات.

 

رابعا:

 

يترتب على ضوء ما ذكرناه أعلاه أن الجبهة الشعبية تنفذ مخططاتها بكل دقة , ويتم التنفيذ على مراحل  ,فمرحلة تفتيت المسلمين سبقت مرحلة تأسيس الأحزاب وقد جاءت المادة السادسة من مسودة قانون الأحزاب لتؤكد على استحالة تكوين أي حزب بشكل حر وديموقراطي , فشريطة أن يكون ثلث المؤسسين من أحد الديانتين إنما القصد منه حرمان المسلمين من المشاركة السياسية  ويتجلى ذلك في:

 

1 كيف يتسنى للمسلمين الحصول على العدد اللازم  بعد أن تم تقسيمهم وعزلهم عن بعضهم كنتيجة لاستراتيجية الجبهة الشعبية 

2 لم تبد حكومة الجبهة الشعبية أية جدية لإعادة اللاجئين والذين يشكلون السواد الأعظم من المسلمين ,يضاف إليهم آلاف النازحين إلى الأراضي السودانية نتيجة حرب النظام في العام المنصرم

 

3 سياسة الدولة تسيرها نخبة مسيحية تتحكم في شؤون البلاد  وهذا ما جعل حياة   المواطن المسلم أن تتسم بحالة عدم الاستقرار , مقارنة بالمواطن المسيحي الذي توفرت لديه كل ضمانات الاستقرار من تعليم وصحة وحرية عبادة  .

 

4 مطاردة المسلمين وتسبيب المضايقات لهم وإكراههم على مغادرة البلاد,وقد رافق ذلك في بعض الحالات التعدي بالضرب على بعض السياسيين المسلمين  في المدن الإرترية .  .

إن نظام الجبهة الشعبية يصادر صراحة في نص المادة السادسة حقوق المسلمين وبالذات حقهم في تكوين أحزابهم  وهذه مخالفة صريحة للشرعية الدولية ولحقوق الإنسان  . ومهما حاولت الجبهة الشعبية من خلق الحجج الباطلة  فإنه لا يمكن فصل دور الدين عن الدور الوطني , كما انه لا يمكن إغفال دور الدين الإسلامي في سياق التاريخ الإرتري والدور الوطني الذي لعبه حزب الرابطة الإسلامية الإريترية .

 

إن تجارب الشعوب في العالم العربي والإسلامي أكدت على الدور السياسي للإسلام ويذكر التاريخ دور الثورة المهدية في السودان  في مقاومة المستعمر .

وليست وقائع التاريخ وحدها تؤكد على اندماج العامل الديني بالوطني , فالواقع الحالي يؤكد على ذلك ,فمقاومة حزب الله في جنوب لبنان ضد الاحتلال الصهيوني , ودور حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس في انتفاضة الشعب الفلسطيني خير دليل على ذلك.           

 

خاتمة

إن الدعوة للالتزام بمواثيق حقوق الإنسان الدولية تأخذ في الاعتبار أن هذه المواثيق لا تستند إلى مرجعية أو أيدلوجية واحدة  " كالجبهة الشعبية "  بل هي في الواقع خلاصة للتراث الإنساني بما في ذلك الثقافة الإسلامية بينما واقع الحال يؤكد أن المرجعية الوحيدة التي يستند إليها هي مرجعية الجبهة الشعبية  .

تطرح الفقرة  "  أ  " من المادة السادسة  والتي بمقتضاها يجب أن يكون 3/2 المؤسسين من ضمن خمس  من  " القوميات " ,تطرح هذا التساؤل كيف يمنح النظام هذه  " القوميات  " الحق في استخدام  "  لغة الأم  " ثم يجرد هذه القوميات  من حقها في اختيار ممثليها وحقها في تأسيس أحزابها التي تعكس آمالها وطموحاتها  .

الرد في غاية البساطة, فمؤامرة القومية هذه قد لعبت دورا مزدوجا فتارة قد استخدمت من أجل حرمان المسلمين من العلم  ومنعهم من استخدام اللغة العربية  , وتارة  أخرى من أجل تهميش دور المسلمين  سياسيا . ا .

  أدم قلايدوس

عونا غير مسـوْلة عن اي رأي او تعلـيق ينشـر فيـهـا