Make your own free website on Tripod.com

تختلف مهام الدولة من مجتمع إلى آخر فهنالك دولة تبحث عن الرفاهية لشعوبها بكل وسائل العصر المتاحة وهذا نموذج نجده في الدول المتقدمة صناعيا واجتماعيا التي انجرت كل شروط التقدم عبر مراحل التاريخ.

أما النموذج الآخر فينعكس في مثال الدولة التي تنحصر مهامها في بناء المجتمع وإكمال مشروع الاستقلال من خلال قطيعة اقتصادية واجتماعية لمخلفات الاستعمار. لان الاستعمار لم يكن يحتل مجرد قطعة ارض، إنما كان يسيطر علي كل مقدرات البلاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وإزالة هذه المخلفات تحتاج إلى وقت وأدوات تناسب روح المرحلة. السؤال إذن، هل تنفذ السلطة في إريتريا مشروع بناء المجتمع بنجاح كما (نفذت) مشروع التحرر الوطني؟

إن حكومة الجبهة "الشعبية" لم تتجاوز الحلم إلى الواقع. ولهذا كثرت العثرات في كل مفاصل المجتمع الاقتصادية والسياسية والثقافية مما أدى إلى تراجع المجتمع عما كان عليه رغم اختلاف الظروف من حيث الزمان والسلطة. وبهذا تحولت الدولة من مهام بناء مجتمع إلى دولة (توليتارية) همها الأول والأخير الاحتفاظ بالسلطة. فبدأت تناطح يمينا ويسارا في حروب مفتعله، وكانت النتيجة وضع اقتصادي متردي وحالة نفسية مهزومة. فتحول بذلك النظام من مهامه إلى (دون كيشوت) محاط بجهاز أمنى وعسكري متقدم وأجهزة دعاية وإعلام في تمجيد الحزب والفرد بامتياز بدلاً عن الانطلاق نحو المستقبل بأدوات العصر العلمية التي تؤمن للمواطن الارتري التكافؤ والتنمية المتوازنة مما يوفر الأمن والاستقرار

لان الاستقرار يصاحبه توازن بين المستويات الثلاث (اقتصادي، سياسي، اجتماعي) فأي ركود في أحد هذه الأطراف يعني إشكالية في العمل السياسي. بمعني آخر الدولة لم تقم بإعادة بناء الوعي بصورة تلاءم الحاضر والمستقبل. بل تكلست في مفاهيم سياسية عتيقة تجاوزتها تجارب الشعوب عبر التاريخ. ولهذا كانت الحصيلة منذ عهد الاستعمار وحتي وقتنا الحاضر؛ الحروب وتعطيل دور الشعب في صنع تاريخه.

اذا كانت "الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة" تطرح نموذجا نهائيا غير قابل للتعديل والحوار أو التعايش معها في ظل الرأي والرأي الآخر، إذن كيف يتم التقدم في غياب الانفتاح علي الآخر وكذلك في غياب النقد للتجربة السائدة؟

نحن نعيش في عصر التنوع والتثاقل مع الآخر إرادي وغير إرادي. فالحديث للاستهلاك أو تضليل الرأي العام عن قيم الثورة والتقدم الاجتماعي والشعارات البراقة لم توصل إلى جميل قادم اسمه العيش الكريم والتقدم الاجتماعي والاقتصادي. فعلي "الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة" أن تنفذ شعارا من شعاراتها (العدالة- الديمقراطية) أم أن مقولة "إريتريا الحديثة" التي روج لها عبر وسائل الدعاية الحزبية كانت مجرد حلم واسقاطات فارغة المحتوى والمضمون. الشعب الاريتري -تحت هذه الشعارات- يعاني من الحرمان ومن غياب ضرورات الحياة بكل ماتقتضيه معاييرالعصر. وبالتالي يجب إعادة قراءة هذا المفهوم ضمن إطار الواقع الملموس حتي لاتنهي الأمور إلى واقع اكثر إيلاماً مما هو عليه الان. المهم ليس تغيير الواقع وتحليل النظام السياسي السائد بل المهم كيف يتم تغييره. وهذا التغيير يتطلب بكل تأكيد شجاعة من النظام وعدم تخوف من الآخر، وعلي الآخر ألا يكون نقديا دون أن يستند إلى أدوات معرفية في تحليل قراءة الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي القائم بعيدا عن (الفذلكات) السياسية من اجل تجاوز المنطقة الرمادية من تاريخ حياتنا السياسية الراهنة عندها نكون بالفعل وحده قد أشعلنا الشمعة بدلا من أن نلعن الظلام.

نقلاً عن نشرة "التحدي" التي تصدر عن "الرابطة الإريترية بأستراليا" - عدد أغسطس 2001م

Back