Make your own free website on Tripod.com

الحروب المنسية في افريقيا

، بقلم: د. محمد الرميحي

ودعت اوروبا الحروب منذ اواسط القرن العشرين بعد ان اكتوت بنيران حربين عالميتين طاحنتين ذهب ضحية الاولى عشرة ملايين قتيل بينما جاوز ضحايا الثانية خمسة واربعين مليونا من البشر, ما بين قتيل وجريح معظمهم من المدنيين. ويبدو ان اوروبا بعد ان خاضت ويلات هاتين الحربين,

وذاقت فيهما مرارة الهزيمة الساحقة والانتصار باهظ الثمن, عمدت الى تصدير الحروب الى كل من اسيا وافريقيا بسبب ما خلفته من نزاعات لم تحل على الحدود بين الدول الجديدة التي تحررت من نير الاستعمار الاوروبي او بين الاطراف الاثنية المختلفة من عرقية ودينية في اغلب الدول المستقلة في العالم الثالث. غير ان الحروب في افريقيا وبالرغم من انها تحتل جانبا واسعا من الاخبار العالمية, لا تلقى اهتماما كبيرا مع ما تستنزفه من طاقة ومال وارواح بشرية كان الاحرى بالدول الفقيرة ان تستثمرها في مشروعاتها التنموية, حتى تستطيع ان تثبت قدميها على طريق التقدم. في الذهن بالطبع هذا الانتشار الكبير للحروب الاهلية او البينية في افريقيا من الكونغو وانجولا ولييريا الى سيراليون وزيمبابوي, واخيرا الحرب التي اشتعل اوارها في الايام الاخيرة بين اريتريا واثيوبيا التي توقفت ولم تتوقف, وانتهت ولم تنته في آن. ونحن عندما نقرأ اخبار هذه الحروب, كأننا نقرأ عن الحروب الافريقية التي وصفها الرحالة الغربيون في القرن التاسع عشر, وما اختلف ـ فقط ـ هو وصول بعض الاسلحة الفتاكة التي تستخدم في الحروب الحالية, بخلاف تلك الاسلحة البدائية التي كانت تتوافر بأيدي القبائل الافريقية وقتذاك. ويبدو ان افريقيا لا تزال تخوض حروبا لا طائل من تحتها وكأنها مستمرة على سيرتها الاولى, مثلما كانت الحرب قبل بزوغ القرن العشرين. وفي حين تعد الحروب في الغرب اداة رئيسية للتغيير, ووسيلة لاستنفار الروح الوطنية نجد الحروب الافريقية قليلا ما تنحو هذا المنحى. فهي مهما رفعت من شعارات ومهما اتخذت من اشكال تظل حروبا قبلية وليست حروب دولة. الحرب الاريترية ـ الاثيوبية منذ سنوات طويلة هي حرب كروفر, فبعد نضال دام اكثر من ربع قرن حصلت اريتريا على استقلالها في اجواء عالمية واقليمية مواتية, ولكن بعد هذا الاستقلال ظلت بواعث التوتر كامنة بين البلدين فلا اثيوبيا استقرت ولا اريتريا ارتاحت, فقامت مناوشات وحروب بين الدولتين اكلت ـ كما يقول العرب ـ الاخضر واليابس وتركت فقط الدولتين ترزحان في قاع الفقر الذي تجاوزت حدوده المستوى الذي كانت عليه الدولتان عند الاستقلال. التقارير الاوروبية الاولى التي كتبت عن المنطقة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر اشارت الى هضبة الحبشة (اثيوبيا واريتريا الحديثة) على انها مناطق حروب, فمثلا يقول احد التقارير التي كتبها الرحالة البريطاني والتربلودن في اربعينيات القرن التاسع عشر (ان رؤساء القبائل في الحبشة مشغولون بحروب لا تنتهي مع جيرانهم) . ولا ننسى ان الغرب هو الذي رسخ في عقول الكثيرين منذ الاحتكاك البرتغالي بمنطقة شرق افريقيا ان سكان هضبة الحبشة متفوقون على من يحيط بهم من اجناس وشعوب, وقد تسبب ذلك في حروب لا تنتهي بين الهضبة وجيرانها في الاراضي المنخفضة تجاه البحر الاحمر وما يسمى اليوم اريتريا. ويشير احد التقارير البريطانية مرة اخرى الى ان سكان الساحل هم جنس شرير لا يمكن حكمه! وجاء الاحتلال الايطالي لاثيوبيا في نهاية القرن التاسع عشر ليؤكد ـ فيما يبدو ـ الرأي الاوروبي السابق والقائل ان المنطقة الوحيدة المتحضرة في افريقيا هي فقط اثيوبيا اما غيرها فهم من الشعوب المتعطشة للدماء. يقول لنا التاريخ ان رجال الامبراطورية البريطانية ومنظريها ابان القرن التاسع عشر ترسخت في عقولهم فكرة ان افريقيا بلاد لا تعرف الا القوة والقوة فقط وان حروبهم وحشية وتندلع بلا هدف. لذا اتخذوا من هذه الافكار مبررا لابادة العصاة من الافارقة المقاومين للتوسع الاوروبي بالقوة. لا احد يعرف او يبرر لماذا يصف ساسة اوروبا الحروب الافريقية بالتوحش, في الوقت الذي خاضت فيه اوروبا نفسها حروبا اكثر وحشية وبأدوات تفتك بالانسان والبيئة. ولكنها الدعاية الغالبة التي كانت تهدف الى اخضاع افريقيا ومما يؤكد هذا التناقض ان الجنود الافارقة الذين حاربوا لاحقا في صفوف جيوش الامبراطوريات خاصة في الحرب العالمية الثانية وما تلاها اصبحوا فجأة في نظر اوروبا جنودا متحضرين! وهو ما يبدو في وصف الوثائق الاوروبية اللاحقة لهم, ثم عادوا من جديد (متوحشين قساة) عندما بدأت حروب الاستقلال للدول الافريقية الحديثة. تلك بطبيعة الحال هي لغة الدعاية التي لا تستند الى علم او منطق, ولغة المصالح التي قد تتخذ حتى من المزاعم الباطلة طريقا لتحقيق اهدافها, وهي لغة ليست جديدة ولا غريبة في عالم السياسة. الحرب الاثيوبية الاريترية اصبحت دورية فهي تبدأ من مناوشات على الحدود الى حرب طاحنة بين شعبين انهكتهما واستنزفت مواردهما الازمات السياسية والاقتصادية وتعقيداتها في العقود الاربعة الاخيرة, على الاقل في العام الماضي كانت حربا منسية وظلت تتصاعد حتى اصبحت القوت اليومي لوكالات الانباء العالمية, ثم غدت بعد حين اوسع حرب بين دولتين افريقيتين في تاريخ افريقيا بعد الاستقلال بل هي اليوم اوسع الحروب في العالم طرا, بعد ان خلفت قرى مهجورة ولاجئين وقتلى بعشرات الآلاف وارضا مدمرة ومحروقة بسبب خلاف على حدود يرى كثير من العقلاء انه يمكن بالنهج الموضوعي العقلاني الوصول الى حلول لها من خلال التفاوض بين المتنازعين. التقارير التي تصل الى وسائل الاعلام العالمية تقول ان البلدين يحاربان حول ارض حرشية مساحتها حوالي اربعمئة كيلومتر مربع, الامر الذي يؤكد ان افريقيا غير قادرة على حرب لها اهمية اكثر من ارض شبه صحراوية. الا ان هذا الخلاف الناشب بين اثيوبيا واريتريا والذي لا يقتصر عليهما فحسب بل يشكل دائرة ملتهبة يندرج داخل محيطها دول حديثة عدة في افريقيا, هذا الخلاف هو من جملة ما خلفته حقبة الاستعمار الطويل, عندما عمدت الدول الاستعمارية الى تقسيم الارض بما يتوافق مع مصالحها هي ضاربة بمصالح وانتماءات السكان عرض الحائط, لذلك ظلت الحدود بين الدول الافريقية قنبلة موقوتة تتفجر بين وقت وآخر, بين بلاد متجاورة ابتليت بتقسيمات حدودية جائرة. ولم تعد حروب افريقيا بعيدة عن العالم, فقد تابعت الانباء ما تعرض له رجال الامم المتحدة في سيراليون الذين تم اختطاف بعضهم على الرغم من انهم يقومون بمهمة انسانية, اما المزارعون البيض في زيمبابوي فقد دفعوا ثمنا غاليا في الفترة الاخيرة لقاء ما خلفه لهم اجدادهم من المستعمرين. افريقيا هي بلاد الشعوب المتحاربة والعناصر المساعدة التي تؤجج هذه الحروب وتزيد من اتساعها هي الاوضاع الاقتصادية المتدنية والظروف الاجتماعية المتردية, ثم الادارة المتخلفة وربما الفاسدة وعدم وجود اهداف واضحة للحروب التي تخوضها الدول. لا توجد قارة لم تخض حروبا عبثية وذات اهداف غامضة ودوافع ضبابية ولكن العالم اصبح الآن يعتقد ان هناك طرقا اخرى لحل المشكلات, فالحرب هي استكمال للطرق السياسية وامتداد لها, اما الاصل فهو ضرورة ان تكون الطرق السياسية هي الوسيلة الاولى لحل المشكلات العالقة, وهذا ماتفتقده حتى اليوم افريقيا وكذلك اماكن اخرى من العالم الثالث. وحتى نصل الى تلك القناعة سوف تظل الحروب مستعرة, وتدفع فاتورتها الغالية الشعوب الفقيرة ومنها الشعوب الافريقية.

جريدةالبيان

عونا

Back